الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

199

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

نفسه لقطع المسافة عن غيره ثم إذا بلغ الميقات استأجر غيره لأداء أفعال الحج من الميقات وأتى بنفس الأفعال عن نفسه بناء على الثاني بخلاف الأول إلى غير ذلك من الفروض ويمكن دفع ذلك بأن ما لا يجوز الاستئجار عليه من الواجبات هو ما يكون الإتيان به واجبا على المكلف في نفسه لا على الواجبات الغيرية الملحوظ فيها حال الغير فإن المقصود هناك حصول ذلك الغير وإنما يراد المقدمة من جهة كونها موصلة إلى الواجب والحاصل أن أقصى ما دل عليه الدليل عدم جواز وقوع الإجارة على الواجبات النفسية دون غيرها وفيه تأمل يظهر الوجه فيه بملاحظة خصوصيات ما حكموا بالمنع من جواز أخذ الأجرة عليه من الواجبات ثم إن الثمرات المذكورة على فرض تفرعها على المسألة لا ربط لها باستنباط الأحكام عن الأدلة ليكون من ثمرات المسائل الأصولية كما أشرنا إليه في الثمرة الأولى ومنها عدم جواز اجتماعها مع الحرام على القول بوجوبها بناء على ما هو التحقيق من عدم اجتماع الأمر والنهي بخلاف ما لو قيل بعدم وجوبها للاجتزاء حينئذ بأدائها في ضمن الحرام ويدفعه أن المقدمة إن كانت عبادة في نفسها كالوضوء والغسل فلا ريب في عدم جواز اجتماعها مع الحرام وإن قلنا بعدم وجوب المقدمة وإن لم تكن عبادة فعدم جواز اجتماع الوجوب مع الحرمة لا يقضي بعدم حصول المقصود من المقدمة أعني التوصل إلى الواجب ضرورة أن حصول التوصل أمر عقلي أو عادي حاصل بحصول المقدمة سواء كانت واجبة أو محرمة ومع حصول التوصل يصح الإتيان بذي المقدمة من غير حاجة إلى إعادتها لحصول الغرض منها فالمقدمة المحرمة وإن لم تكن واجبة إلا أنها تغني عن الواجبة فيسقط وجوبها بعد الإتيان بها فلا فرق من الجهة المذكورة بين القول بوجوب المقدمة وعدمه ومجرد عدم اجتماع المقدمة الواجبة مع الحرام لا يفيد شيئا في المقام بعد الاجتزاء بالحرام في أداء ما هو المقصود من المقدمة من التوصل إلى ذيها أنه إذا قلنا بعدم جواز اجتماع الوجوب والتحريم في المقدمة أيضا كما هو المختار وأما على ما ذهب إليه البعض من جواز الاجتماع فيها فلا إشكال رأسا ومنها لزوم كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده بناء على القول بوجوب المقدمة حيث إن ترك الضد من مقدمات حصول الضد الآخر إذ وجود كل من الضدين مانع من حصول الآخر ومن البين أن دفع المانع من جملة المقدمات فحينئذ لو كان المأمور به واجبا مضيقا وكان الضد واجبا موسعا أو من المندوبات لم يصح الإتيان به ووقع فاسدا إذا أتى به حال تعلق التكليف بالمضيق نظرا إلى وجوب تركه حينئذ فلا يتعلق التكليف بفعله لعدم جواز اجتماع الأمر والنهي أو بقضاء النهي في العبادة بالفساد وفيه أنه لا ملازمة بين القول بوجوب المقدمة واقتضاء الأمر بالشيء عن النهي عن ضده كما سيجيء بيانه في كلام المصنف رحمه الله فيسقط الثمرة المذكورة وفيه نظر يعرف الوجه فيه مما قررنا وسيجيء تفصيل القول فيه إن شاء اللّه تعالى والتحقيق أن يقال إن النهي المتعلق بفعل الضد من باب المقدمة لا يقضي بالفساد حسبما سنقرر الوجه فيه إن شاء الله تعالى ولا مانع من اجتماع وجوب النفسي والحرمة الغيرية في بعض الوجوه كما سنفصل القول فيه إن شاء الله تعالى نعم لا يبعد على فساد الضد فيما إذا كانت إرادة الضد هي الباعثة على ترك الضد الواجب كما يأتي بيانه إن شاء الله فيتم جعل ذلك ثمرة للخلاف في المسألة منها أنه إذا كانت المقدمة عبادة متوقفة على رجحانها والأمر بها ولم يتعلق بها أمر أصلي يفيد وجوبها لما يتوقف عليها من الغاية توقفت صحة الإتيان لها لأجل تلك الغاية على وجوب المقدمة فإنه إذا كانت المقدمة واجبة قضى الأمر بالغاية الأمر بمقدمتها فيفيد ذلك رجحان الإتيان بها لأجل تلك الغاية بخلاف ما لو قلنا بعدم وجوب المقدمة وذلك كالوضوء والغسل لمس كتابة القرآن فإن أقصى ما يستفاد من الأدلة تحريم المس على المحدث وأما الأمر بالوضوء لأجله إذا وجب بأحد أسبابه الموجبة له فلا بل يتوقف ذلك على البناء على وجوب المقدمة فإن قلنا بوجوبها صح الإتيان بالطهارة لأجلها لرجحانها إذن كذلك نظرا إلى تعلق الأمر بها تبعا للأمر بما يتوقف عليها فلا فرق حينئذ بين الغاية المذكورة وسائر الغايات التي تعلق الأمر بالطهارة لأجلها غاية الأمر تعلق الأمر بها هناك أصالة وهاهنا تبعا وقد عرفت أن ذلك لا يكون فارقا بينهما بحسب المعنى غاية الأمر أن يختلف لذلك وجه الدلالة والاستنباط وذلك لا يقضي اختلاف الحال في المدلول حسبما بيناه وإن قلنا بعدم وجوبها لم يصح الإتيان بها لأجل تلك الغاية إذ لا رجحان حينئذ في الطهارة من جهتها فلا يصح التقرب بها لأجلها بل لا بد حينئذ من الإتيان بها لسائر الغايات التي يثب رجحان الطهارة لأجلها بل لا بد حينئذ من الإتيان حتى يصح الطهارة الواقعة ويجوز له الإتيان بتلك الغاية وفيه أن الإتيان بالفعل لأجل التوصل إلى الواجب جهة مرجحة لذلك الفعل وإن لم نقل بوجوب مقدمة الواجب كما مرت الإشارة إليه ولذا قلنا بترتب الثواب عليه إذا أتى به على الوجه المذكور على القول بعدم وجوب المقدمة أيضا وذلك كاف في رجحان الإتيان بالمقدمة للغاية المفروضة نعم يثمر ما ذكر في جواز قصد الوجوب في الفعل المذكور أو وجوب قصده على القول بوجوب نية الوجه قوله مع كونه مقدورا إلى آخره قد يقال إن قوله مطلقا يقضي بخروج الواجب المشروط عن محل النزاع مطلقا ولا ريب أن التكاليف كلها مقيدة بالنسبة إلى القدرة على نفس الواجب وعلى مقدماته فلا يكون الأمر بالشيء مع عدم القدرة على مقدمته مطلقا فيحتاج في إخراجه إلى التقييد بكونها مقدورة وقد يدفع ذلك بأن قوله مطلقا ليس للإخراج الواجب المشروط بل المقصود منه بيان تقسيم اعتبارات الأمر ومقايساته بالنظر إلى مقدماته فيكون قوله شرطا كان أو سببا أو غيرهما بيانا لمفاد الإطلاق وحينئذ فلا بد من اعتبار مقدورية المقدمة لوضوح عدم وجوبها مع انتفاء القدرة عليها وفيه مع ما فيه من التكليف الظاهر أنه يلزم حينئذ اندراج غير القدرة من مقدمات الواجب المشروط في العنوان مع خروجها عن محل النزاع ولو أجيب بأن إطلاق الأمر بالشيء إنما ينصرف إلى المطلق دون المشروط لعدم تعلق الأمر به قبل وجود شرطه ففيه أن ذلك إن تم لجرى بالنسبة إليها فلا حاجة إلى القيد المذكور إذ لا فرق بين المقدمة المذكورة وسائر مقدمات الواجب المشروط وقد يقال أن المراد